محمد حسين علي الصغير

42

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

عندهم قولهم هو جواد . ومنه قوله تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ، أي هو بخيل بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ « 1 » ، أي هو جواد من غير تصور يد ، ولا غل ، ولا بسط . والتفسير بالنغمة ، والتمحل للتثنية من ضيق العطف ، والمسافرة عن علم البيان مسيرة أعوام » « 2 » . الثاني : تعقيبه على قوله تعالى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ . . . « 3 » ، قال : « فإن قلت : كيف أسند الخسران إلى التجارة وهو لأصحابها ؟ قلت : هو من الإسناد المجازي ، وهو أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له كما تلبست التجارة بالمشترين . . فإن قلت : هب أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازا في معنى الاستبدال ، فما معنى ذكر الربح والتجارة كأن تم مبايعة على الحقيقة ؟ قلت : هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا ، وهو أن تنساق كلمة مساق المجاز ثم تقفى بأشكال لها وأخوات إذا تلاحقن لم تر كلاما أحسن منه ديباجة ، وأكثر ماء ورونقا وهو المجاز المرشح . . . فكذلك لما ذكر سبحانه الشراء أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى « 4 » ، أتبعه بما يشاكله ويواخيه ، وما يكتمل ويتم بانضمامه إليه ، تمثيلا لخسارهم وتصويرا لحقيقته » « 5 » . وفيما عدا الزمخشري بتوسعه في ذكر مجازات القرآن ، بمعانيها الاصطلاحية فيما يبدو لي ، فإننا لا نجد نظيرا لهذا التفسير من هذا الوجه فحسب . نعم هناك شذرات مجازية في الجزء الخامس من « حقائق التأويل » للشريف الرضي ( ت : 406 ه ) أشرنا إليها ضمن البحث فيما يأتي ، ولو وصلنا حقائق التأويل كاملا لحصلنا على علم كثير .

--> ( 1 ) المائدة : 64 . ( 2 ) الزمخشري ، الكشاف 2 : 530 . ( 3 ) البقرة : 16 . ( 4 ) الزمخشري ، الكشاف : 1 / 191 وما بعدها . ( 5 ) توفي ظهر الأربعاء : 9 / 3 / 1966 م عن واحد وسبعين عاما . وكان آخر لقائنا به في بغداد بتاريخ : 11 / 2 / 1966 م حينما اشتركنا معا في مهرجان تأبين علامة العراق الشيخ محمد رضا الشبيبي في جامع براثا ببغداد .